القطيف وتراثها المنسي:

 

في السنة السادسة أوالسابعة من الهجرة تصدرت البحرين القديمة الشاملة للقطيف وهجر وجزيرة أوال ( البحرين حاليا) صفحة من صفحات التاريخ حي أطل عليها كتاب النبي (ص) يحمله أبو العلاء الحضرمي ، يدعوهم للدخول في الاسلام ، ويحذرهم من دخول النار ، ويخبر أهلها بانهم (خفراؤه من الضيم ، وأعوانه على الظالم ، وانصاره في الملاحم) 1 . فآمن امراؤها وروؤساء عبد القيس وجلّ أهل المنطقة بدين الاسلام.

 

وقد طلب النبي (ص) من أبي العلاء الحضرمي أن يهيئ له وفدا من عشرين رجلا من عبد القيس ، لمقابلة الرسول الاكرم (ص) والتعرف على الدين الجديد . فهيأت البلاد وفدا ضم عليه القوم وسادتهم، وانطلقوا ميممين نحو المدينة المنورة . وقد أخبر النبي (ص) بقدومهم بقوله( سيطلع عليكم من ها هنا ركب معهم خير اهل المشرق ) فوصل القوم وكان في طليعة المستقبلين النبي (ص) . وما أن استقر بهم المقام في ضيافة المصطفى (ص) حتى بدأت على الفور الجلسات ، وانعقدت المجالس للتعريف بدين الاسلام.

وقد أوصى النبي (ص) بهم خيراً قائلاً : يا معشر الانصار اكرموا اخوانكم في الله فانهم اشبه الناس بكم في الاسلام ... اسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين 2 .

 

وبعد مانال القوم بغيتهم قفلوا راجعين الى بلادهم يبشرون اهلها بصدق الدعوة ، وحقيقة الاسلام ، وينذرونهم من مخالفته ناشرين تعاليم السماء في أرجاء المنطقة.

 

ومنذ دلك اليوم تفانى أهل المنطقة في المحافظة على دين الأسلام والدفاع عنه بأغلى ما يملكون فارخصوا في سبيله كل غال ونفيس. وتشهد لهم الصفحات البيضاء من تاريخ نصرتهم للنبي (ص) وعلي أمير المؤمنين (ع) والائمة الأطهار من أبنائه (ع)، وكان في طليعة هؤلاء أبناء صوحان زيد وصعصعة وسيحان أصحاب امير المؤمنين (ع) ، اللذين تفانوا في الإخلاص له والدفاع عن الاسلام ، فخاضوا معه اللجج وبذلوا المهج حتى سقط سعيد وسيحان في ميدان الشهادة دفاعاً عن الحق واهله. . وجاء أمير المؤمنين (ع) الى مصرع زيد وجلس عند رأسه فقال:( رحمك الله يا زيد قد كنت خفيف المؤنة عظيم المعونة . قال : فرفع زيد رأسه ثم قال :وأنت فجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين فوالله ما علمتك الا بالله عليما ، وفي أم الكتاب لعلياً حكيماً ، وان الله لفي صدرك لعظيم ...) "3" .

 

 

(1)   مكاتيب الرسول : 334 عن الطبقات الكبرى 1: 283.

(2)   ذكر وفودهم الحلبي 3:249 وزيني دحلان 3:16 والطبقات 1:314 والبداية والنهاية 5:46 وابن هشام 4:242. كما من مكاتيب الرسول: 336.

(3)تنقيخ المقال 1:446.

 

والحديث حول تاريخ المنطقة حافل بالعطاء يحمل في طياته أحداثاً زاخرة بالأمجاد ، وهكذا رجالها وأعلامها عبر القرون. وان نظرة قصيرة الى تاريخ القطيف وأعلامها لكفيلة ببيان أن هذه المنطقة حفلت باحداث هي غرر في جبين الدهر. وقد ضمت في زواياها رجالاً صنعوا التاريخ فكان منهم الصحابي الذي رافق الرسول (ص) والتالبعي الذي اقتفى خطاه والشاعر الذي جند الكلمه في الدفاع عن الحق ومنهم المحدث والعالم والخطيب.

فاظر صفحة القرن الأول الهجري من تاريخ القطيف تجد أبناء صوحان ، ويزيد بن سبيط القيسي العبدي وولديه عبدالله وعبيد الله ومواليه ، الذين استشهدوا مع الحسين (ع) في كربلاء ...وغيرهم.وانظر ما اعقب ذلك من قرون لتقف على عجائب الاأحداث وعظائم المكرمات في ميادين العلم والعمل والشهادة.

وهكذا تتوالى الرجال عبر القرون مالئة صفحاتها بالذكر الجميل حتى أطل القرن الثامن الهجري برزت كوكبة من رجالات العلم وكان في طليعتهم الشيخ حسين بن راشد القطيفي. والشيخ زين الدين علي بن الحسن الخطي والشيخ يوسف بن أبي القديحي . وبرز في القرن العاشر الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي المعروف. وأما القرن الحادي عشر والثاني عشر فهما حافلان بالعلماء ورجال الفكر والأدب . ولو سلطنا الضوء على خصوص تلك الحقبة الزمنية لرأينا العلماء في تلك الديار حريصين كل الحرص على طلب العلم والفضيلة قد ملئوا حباً للعلم ورهنوا أنفسهم لذلك فكانوا يجوبون البلدان لتحصيل الكمال ، فكم عالم خرج من بلاده مخلفاً وراءه الأهل والوطن ولم يعد ، وكم فاضل صرف عمره في اكتساب المعارف فنال ارفع الدرجات.

وبكلمة جامعة أن القطيف بلغت بعلمائها ورجال الفكر فيها شأواً عظيماً ، ولذلك اطلقت عليها النجف الصغرى تشبيهاً لها بالنجف الأشرف حيث باب مدينة العلم ومصدر الفيض والعطاء واكبر الحواضر الشيعية في زمن كانت فيه النجف الأشرف تزخر بالعلم والعلماء ورجال الفكر والأدب.

وقد أحصى الاستاذ السيد سعيد الشريف منهم ما يقرب من مائة عالم ومنهم مؤلف هذا الكتاب الشيخ ناصر الجارودي "1".

ولست هنا بصدد التفصيل في تاريخ القطيف وأعلامها ، لان ذلك لا يسعه المجلدات ، ولكنها لمحة عابرة ، ومقدمة مختصرة  ، لكلام حول نقطة مهمة ،وهي التراث العلمي لمنطقة القطيف .

والحديث حول هذه النقطة وان كان يسع الكثير ، الا اننا نقصر على ما هو المناسب لهذه المقدمة فنقول:

ان كتب علماء القطيف ومؤلفاتهم كثيرة جداً تبلغ المئات وجلّها مخطوط لم تر النور بعد. وقد احصى ألأخ العزيز الشيخ حلمي السنان ما في الذريعة للمحقق الطهراني فبلغت بعد حذف المكرر ثلاثمائة واربعة وثلاثين كتاباً.

 إلا أن هناك كثيراً من الكتب التي لم تصل الى يد المحقق الطهراني أو لم يطلع عليها لعدم وجود فهارس جامعة لهذه الكتب . ولو فتشت المكتبات اليوم للحصول على المطبوع منها لما تجاوز عدد الأصابع خصوصاً كتب ما قبل القرن الرابع عشر. وهناك كتب كثيرة قد اندثرت تماماً ، ولم يبقى منها إلا الاسم فقط ، وقد أكل التراب كثيراً من مخطوطات بلادنا ، ولا تسأل عن ما اتلفه البحر فقد بلغ المئات منها.

 

وليس  بيدنا الا التأسف والبكاء على هذه المخطوطات . كما قال العلامة المقدس الشيخ فرج العمران نور الله ضريحه في الأزهار الارجيه :( فيحق لي أن أتأسف وأريق دمعتي الحارة على وطني الخامل وعلمائه المجهولين وآثارهم التي اصبحت شماطيط مبعثرة وذهبت ادراج الرياح) "2".

ويمكن تصنيف المخطوطات الباقية بحسب اماكنها الى أربعة أصناف :

1-المخطوطات الموجودة في القطيف والاحساء والبحرين في مكتباتها الخاصة . وهذه ليست قليلة إلا أن أصحابها يضنون بها ، ولا يسمح كثير منهم برؤيتها فضلاً عن نسخها وتكثيرها . بل هناك من يعدها عبارة عن تحف فنية لا يمكن التفريط بتكثيرها وإلا نزلت قيمتها الفنية عنده. وهناك من يفضل تلفها على تقديمها لمن يعتني بتحقيقها واخراجها لعالم الافادة والاستفادة. ومع ذلك فالأمل كبير في ان يشعر هؤلاء باهمية ابراز هذه الآثار احياء للتراث وتعميماً للفائدة وخدمة للعلم وأهله ووفاء لرجال الفكر في هذا البلد.

2- ما يوجد في مكتبات العراق العامة والخاصة. وقد رأى المحقق الطهراني الكثير منها إلا أن الظروف الخاصة بالعراق حالياً تمنع من الوصول إليها.

3- ما يوجد في المكتبات إيران العامة. وقد تتبعت بعض فهارسها فوجد فيها أكثر من خمسين مخطوطة ، فقمت بنشر أسمائها في مجلة الموسم على مجموعتين . طبع منها مجموعة في العددين التاسع والعاشر، ولم تطبع المجموعة الثانية . وهذه المخطوطات سهلة المنال فيمكن الحصول عليها وتحقيقها وطبعها في البلاد.

4- ما يوجد في مكتبات علماء إيران الخاصة ، والعثور على هذه الكتب صعب جداً ، لاحتياجه الى السفر الى مناطق ايران المتنائية الاطراف، والتعرف على مكتبات علمائها ، والبحث المضني لفهرستها وتصنيفها . بالاضافة الى تعاون أصحاب المكتبات مع الباحثين والمحققيقين . وكل ذلك يحتاج الى رجال يكرسون جهودهم للوصول اليها وتكثيرها واخراجها الى عالم النور .

وهناك مخطوطات متناثرة في العالم كبقية المخطوطات الاسلامية وهي اليوم في دائرة النسيان.

(1)             جاء في مقالته (من أعلام القطيف )في مجلة الموسم عدد 9-10 ص217.

(2)             الازهار الارجية 1:133.