عوامل اغفال التراث :
ان الظروف العصيبة التي مرت بها المنطقة في فترة زمنية
طويلة جعلتها في عزل عن العالم فأدت الى التجاهل المقصود وغير المقصود من قبل
المؤرخين لهذه المنطقة النابضة ، وكنتيجة طبيعية لذلك أن يغفل الجانب العلمي
والأثر الفكري لهذه البلاد ، فلا يكاد يذكر ، واذا ما ذكر فانما هو باشارة عابرة ،
فيظن انها منطقة قاحلة حالية خالية من العلم والادب بينما هي واحة ذات عطاء ملئت
بالعلم والعلماء.
ويمكن ارجاع الاسباب في ذلك أمرين رئيسيين:
الاول: العوامل الخارجة عن ارادة المنطقة وذويها ن
وتتمثل في :
1-
التعتيم الاعلامي
المقصود لعزل المنطقة وما فيها من تراث.
2-
انتماء ابناء
المنطقة مع قلتهم الى مذهب أهل البيت (ع) في العقيدة والسلوك المؤذي الى دفع ضريبة
ذلك على طول التاريخ.
3-
دخول التعليم
الى المنطقة في زمن متأخراً قياسياً ببقية مناطق العالم.
4-
صعوبة الحياة
وقلة الموارد الاقتصادية المؤذيان الى الانصراف لتوفير لقمة العيش.
الثاني:العوامل التي تناط مسئوليتها بسكان المنطقة ،
وتتمثل في:
1-
عدم
اهتمام أهالي المنطقة بتراثها عموما
ً والعلمي منها خصوصاً ولا سيما بعد الانتعاش الاقتصادي في المنطقة وتبديل القديم
بالمستورد الجديد.
2-
انعدام الرؤية
الواضحة لأهمية احياء التراث العلمي عند أغلب الأهالي مميقعدهم عن المشاركة
الفعالة والتعاون المنتج لابراز الآثار العلمية المختلفة في البلاد.
3-
قلة اتصال
علماء المنطقة بالحواضر العلمية الكبيرة اتصالاً وثيقاً يوجب دفع عجلة الحركة
العلمية نحو التكامل . فاذا ما انتقل احدهم الى تلك الحواضر بقي فيها فلا يعود له
أثر على المنطقة.
4-
إنقطاع الصلة
قديماً بين العلماء وحكامهم ، فبغض النظر عما فيها إلا أن من آثاره إهمال التراث
العلمي ، ولذا نلاحظ أن كثيراً من الكتب القديمة في غير هذه البلاد كتب لها البقاء
إلى العصر الحديث نتيجة اهدائها إلى السلاطين الذين قاموا بحفظها وتكثير نسخها.
5-
خوف الاختلاف
الناتج عن المجابهة العقائدية في المنطقة وتجنب الاصطدام الفكري مع الاطراف الأخرى
نتيجة تواجد مختلف المذاهب الاسلامية فيها.
6-
(عدم تهيؤ باحث موضوعي مؤهل للكتابة والنشر بالمستوى
الناجح في نشر كتب التراجم ومعاجم المؤلفين ومؤلفاتهم وما ينحو نحو ذلك على غرار
ما هو سائر دائر) كما ذكر الاستاذ العلامة الشيخ محسن المعلم في مقالته ( التعريف
بمصادر البحث عن علماء القطيف)"1" .
7-
عدم نقلها
للحواضر العلمية حتى يتسنى للعلماء والباحثين الاطلاع عليها وسبرها وتحقيقها
وتكثير نسخها ولذا حفظت بعض آراء الشيخ ابراهيم القطيفي نتيجة وجود كتبه في
الحواضر العلميه ومساجالاته مع الشيخ علي الكركي الذي كان علماً في الدولة
الصفوية.
هذه هي أهم العوامل التي ساعدت على نسيان التراث العلمي
للمنطقة أو تناسيه وضياعه ولعل هناك اسباباً أخرى ساعدت على عدم تصدي العلماء
والمحققين لانتشاله وابرازه للنور ، وعدم اهتمامهم بتراثنا وحياة اسلافنا وان
استنجدوا لذلك فلذا نأمل من أبناء المنطقة أن ينفضوا عنهم غبار الغفلة
واللامبالاة ويهبوا لانقاذ ما يمكن
انقاذه من آثار هذا البلد المعطاء ويقوموا بنشر تراثها العلمي بشتى انواعه خدمة
للحق والعلم والفضيلة . وهذا صدى لنداء الغيارى والمخلصين قال السيد جواد شبر في كتابه ادب
الطف :
( وكم كتبنا واستنجدنا بعلمائها وأدبائها ليزودونا
بمعلومات عن تراثهم وحياة اسلافهم ولكن لا حياة لمن تنادي )"2" .
وينبغي أن يعلم أن الغرض من اخراج المصنفات العلمية
وابرازها ليس هو التطبيل والتزمير والتباهي لما للمنطقة من تراث ، كما ان عملية
التحقيق ونشر مؤلفات علمائنا والخوض في هذا المضمار ليست مما تخفي
وراءها قلة البضاعة العلمية للمحققين أوانها تقف أما الوصول لننيل الدرجات العلمية
كما يتصور البعض ، بل الغاية أسمى من ذلك ، والغرض أرفع من هذه الخيالات .
فان نشر هذه المؤلفات يعني نشر العلم ، وتقوية المرتكزات
العقائدية ، والتداول الفكري ، والأخذ بأيدي الجهلة نحو الصواب ، وتنوير القلوب
... وغيرها من الفوائد التي تترتب على انتشار العلم والكتب ، وتحقيق كتب العلم
يعني تحقيق العلم، ولا يقل الاشتغال تحصيلاً ، بل هما مصراعا بابا واحد . وكم
رأينا من علمائنا الاجلاء من صرف كل عمره في تحقيق الكتب والبحث عن علمائنا
الأماجد ونال بذلك الدرجات العالية من العلم والمعرفة .
وقد توالت النداءات لابراز هذا التراث العلمي والتعرف
على علماء المنطقة ومؤلفاتهم . وقد أثمرت بعض الشيء لما نرى من اشتغال بعض الفضلاء
بأعمال تحقيقيه من هذا القبيل . ندعوا الله أن ياخذ بيدهم الى أفضل الطرق للوصول
إلى الغايات السامية.
(1)
الموسم عدد 9 –10.
(2)
أدب الطف 8:146.