مناجاة الحسين(عليه السلام)
للأستاذ بولس سلامه
ناولــوني القرآن قــال حسـين : * لذويه » وجــدَّ فــي الـركعات
فرأى في الكتــاب سِفــرَ عزاء * ومشى قلبـه علــى الصفحــاتِ
ليس فــي القــارئين مثلُ حسين * عالمــاً بالجـواهــر الغاليـات
فهــو يدري خلف السطورا سطوراً * أليــس كـلُ الإعجاز في الكلمات
ِللبيان العُلوي ، فـي اُنفس الأطهار ، * مسرى يفــوقُ مســرى اللغات
وهو وقفٌ على البصيرة ، فالأبصار * ُتعشو ، فــي الأنجم الباهرات
يقذف البحـرُ للشواطئ رمــلا * ًواللآلــي تغوص فــي اللُّجـاتِ
والمصلُّـون فــي التـلاوة أشبـاه * وإنَّ الفــــروق بالنيّــــاتِ
فالمناجـاة شعلــةٌ مــن فـؤاد * صادق الــحس مُـرهف الخلجات
فإذا لم تكن سوى رجع قول * فهي لهـوُ الشفـاه بالتمتمات
إنما الساجد المُصلي حسـين * طاهرُ الذيل ، طيّب النفحات
فتقبّلْ جبريـلُ أثمارَ وحـي * أنت حُمّلتـهُ إلـى الكائناتِ
إذ تلقَّـاه جـدُّه وتـــلاه * مُعجزات ترنُّ في السجعاتِ
وأبوه مُدوّن الذكر ، أجراه * ضياءً علـى سوادِ الدواةِ
فالحسين الفقيهُ نجلُ فقيــه * أرشد المؤمنين للصلـواتِ
أطلق السبط قلبه في صـلاة * فالأريج الزكي في النسماتِ
المناجاة ألسُنٌ مـن ضيـاء * ِنحو عرش العليِّ مرتفعاتِ
الأمام
الحسين (عليه السلام) يرى جدّه (صلى الله عليه وآله)
وهمت نعمــةُ القديـر سلاما * ًوسكــوناً للأجفــن القلقاتِ
ودعاهُ إلــى الرقــاد هدوء * ٌكهُـدوءِ الأسحار في الربواتِ
وصحــا غبَّ ساعــة هاتفاً * «أختاهُ بنت العــواتك الفاطماتِ
إنني قــد رأيت جـدي وأمي * وأبي والشقيقُ فـــي الجناتِ
بَشّــروني أنـي إليهم سأغدو * مُشرقَ الوجه طائرَ الخطـواتِ»
فبكت والدمـوع في عين أُخت * نفثات البُركان فــي عبراتِ
صرختْ :ويلتاه ، قال : خلاك الشرُّ * فالـويل مـن نصيب العتاةِ
الإمام
الحسين (عليه السلام) يأذن لأصحابه بالتفرّق عنه
ودعا صحبَه فخفُّوا إليه * فغدا النسر في إطار البُزاةِ
قال إني لقيت منكـم وفاءً * وثباتاً في الهول والنائباتِ
حسبكم ما لقيتم من عناء * فدعوني فالقوم يبغون ذاتي
وخذوا عترتي، وهيموا بجُنح الليل ، * فالليل درعُكم للنجاةِ
إن تظلـوا معـي فـإن أديم * الأرض هذا يغصُ بالأموات
جواب
الأنصار للحسين (عليه السلام)
هتفــوا يــا حسين لسنا لئاماً * فَنخلّيــك مُفــرداً في الفــلاةِ
فتقــول الأجيال ُ ويلٌ لصحب * خلَّفوا شيخهم أسيــر الطغــاةِ
فَنكونُ الأقذار في صفحةِ التـأ * ريخ والعارَ فــي حـديثِ الرُواةِ
أو سُباباً علـى لسـان عجـوز * أو لسان القصّاص فـي السهراتِ
يتوارى أبناؤنــا فــي الزوايا * من أليـم الهــجاء واللعنـاتِ
ستـرانا غــداً نشـرّفُ حَــدَّ * السيفِ حتـى يَذوبَ في الهبواتِ
يشتكــي مـن سواعد صاعقات * وزنــود سخيــّةِ الضربـاتِ
إن عطشنا فليـس تَعطـشُ أسياف * ٌتعبُّ السخين فـي المهجـاتِ
لا ترانا نرمي البواتــر حتــى * لا نُبقّي منها ســوى القبضـاتِ
ليتنا يا حسين نسقــط صرعـى * ثم تحيا الجسوم فــي حيـواتِ
وسنُفديك مــرةً بعـد اُخـرى * ونُضحّي دمـــاءنـا مــرّاتِ
***
أصبحوا هانئين كالقوم في عرس * سكــوت مُعــطّل الزغرداتِ
إن درع الإيمان بالحــق درعٌ * نسجتــه أصــابعُ المُعجزات
يُرجع السيف خائبـــاً ، ويردُ * الرمـح ، فالنصلُ هازئ بالقناةِ
مثلما يطعــن الهــواء غبي * ٌّفيجــيب الأثير بالبسمـاتِ
يغلب المــوتَ هـازئاً بحياة * لا يراها إلاّ عمــيق سُبــاتِ
فاللبيبُ اللبيبُ فيها يجـوبُ العمر * في زحمة مــن التـرّهــاتِ
ويعيش الفتـى غــريقـاً بجهل * فإذا شاخ عــاش بالذكريـاتِ
ألمٌ فــي شبابـه ، فمـتى ولّى * فدمعُ الحرمــان فـي اللفتاتِ
إن ما يكســب الشـهيدُ مضاءً * أمل كالجنائــن الضـاحكاتِ
فهو يطوي تحـت الأخامص دُنيا * لينــال العُلــى بدهر آتِ
1 ) هو
: الأديب اللبناني الكبير الأستاذ بولس سلامه، ولد سنة 1910 م في قضاء جزين ـ
لبنان، درس الحقوق في الجامعة اليسوعية، وعمل قاضياً سنة 1928 م، وتوفي سنة 1979 م،
له عدة دراسات أدبية وفكرية معروفة