القطيف موطن الجارود :

ذكر البكري ُّ أن عبد القيس بعد ان تغلبت  على البحرين أقتسمتها بينها ، فنزلت جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف الخطَّ  وأنحائها "15" ، والخطَّ هي القطيف  ، وبنو جذيمة هؤلاء هم رهط الجارود الأدنون من عبد القيس ، وهم الذين سكنوا الخط منذ القدم.

كما جاء من اخبار الرّدة أن الحطم البكري شدّ الجارود وثاقاً وجعله في الزارة ، الزارة هي عاصمة القطيف القديمة ، وكانت تقع بالقرب من قرية العوامية ، وهذا دليل آخر على أن الجارود من سكان القطيف ، خصوصاً وأن الحطم أول ما خرج خرج في الخط كما يقول الطبري "16" ، بل أن الهمداني يقول عن القطيف : " والقطيف موضع نخلٍ وقرية عظيمة الشأن ، وهي ساحل وساكنها جذيمة بن عبد القيس " "17" . وهذا أوضح بل أن البكري يقولها صريحة حيث قال : وإلى القطيف انحاز الجارود بعبد القيس ، حين ارتدت بنو بكر ، واشتد حصار بكر للقطيف وجواثا "18" . بل إن قرية الجارودية في القطيف منسوبة ألى الجارود هذا ، حيث كان محل سكناه ومنزله ، ولا زال بعض كبار السن من اهلها يسمونها ببلد الجار. ومن يرى بالفعل هذه القرية يعلم أنها من اجمل المواضع في واحة الالقطيف ، لسكن سيد أهلها وزعيمهم ، فهي مرتفعة بعض الشيء ومحاطة بالبساتين من كل جانب، وبها أعذب العيون وأحلاها ، كما كان يوجد بها جبل البرَّاق الشهير، والذي كان وسطه عين ماء قديمة ، وكان كالقلعة يسكن فيها أهالي الجارودية ويتحصَّنون به.

 

مواقف وبطولات:

لقد كان الجارود ذا شخصية فذةً وقيادية ، وكان سيد عبد القيس في القطيف. بل ا نبعد لو قلنا أن كان سيد عبد القيس في القطيف و الأحساء "19" .

وستدل بعض مواقفه التي سنذكرها على ما ذهبنا إليه ، ولقد كان للجارود في الجاهلية سمعةً وشهرة ً كبيرة إلى الحد الذي جعل لبيد بن ربيعة الشاعر المشهور ينسب قبيلته أو عشيرته إليه فيقول  : ذاكرا بعض بني لكيز بن أفصى بن عبد القيس ، وقد كانوا شهودا على مناظرة ٍ انتصر فيها لبيد على خصم ٍ  له عند النعمان بن المنذر :

وقبيل ُ من لكيزٍ حاضرُ *** رهط مرجوم ورهط بن المعلَّ "20"

حيث أن بن المعلّ هو الجارود بن المعلى ، وإنما اضطر لبيد من أجل الوزن والقافية إلى حذف الألف المقصورة ، وأما مرجوم فهو بن عم الجارود من بني عصر من جذيمة ، وهو مرجوم بن عمرو بن قيس بن شهاب بن زياد بن عبدالله بمن زياد بن عصر بن عوف بن عمرو بن عوف بن جذيمة "21". من أجل ذلك ، فلا غرابة أ، يكون الجارد سيد قومه ، ذا تأثير عليهم في إسلامهم ، وذا تأثير عليهم في منعهم عن الارتداد عن الإسلام ، عندما ارتدت معظم قبائل العرب حولهم ، واجتمعوا على قتالهم ، وحاصروهم في الزارة وجواثا ً "22" . إلا أن حنكة الجارود ، وخبرته وقياديته منعت عبد القيس من الارتداد وجعلتهم يقفون بكل قوة وصلابة في وجه المرتدين ، حتى وطّدوا دعائم الإسلام في القطيف والأحساء وجزيرة أوال والمعروفة جميعها با سم البحرين في وقتنا الحاضر.

 وهذه بعض الواقف الرائعة التي ذكرها المؤرخون للجارود ، نذكرها هنا للوقوف على مدى عظمة شخصية هذا الرجل الفذ ، وما أحوجنا إلى أمثاله اليوم.

 

1-         لو لا الله ما هممت بذلك :

روى بن سعد في الطبقات "23" أن عمر بن الخطاب ولّى قدامة بن مظعون البحرين  ( أي القطيف والأحساء و أوال) ، فخرج قدامة على عمله ، فأقام فيه ، لا يُشتكى في مظلمة ولا فرج إلا أنه لا يحضر الصلاة "24" .فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قدامة قد شرب ، وإني رأيت حداً من حدود الله كان حقاً عليّ أن أرفعه إليك. فقال عمر : من يشهد على ما تقول ؟ فقال الجارود : أبو هريرة يشهد. فكتب عمر إلى قدامة بالقدوم عليه ، فقدم ، وأقبل الجارود يكلم عمر ويقول: أقم على هذا كتاب الله . فقال عمر :أشاهد أنت أم خصم ؟ فقال الجارود : بل أن أنا شاهد . فقال عمر : قد كنت أديت شهادتك . فسكت الجارود ، ثم غدا عليه من الغد فقال : أقم الحد على هذا ز فقال عمر ما أراك إلا خصما وما يشهد عليه إلا رجل واحد ، أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك . فقال الجارود : أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك و تسوؤني. فوزعه عمر.

وفي رواية أخرى لما قدم الجارود العبدي لقيه عبدالله بن عمر ( وهو ابن أخت قدامه ) فقال: والله ليجلدنك أمير المؤمنين . فقال الجارود :يجلد والله خالك ، أو يأثم أبوك بربه ، إياي تكسر بهذا يا عبدالله بن عمر ؟ ثم جاء الجارود فدخل على عمر فقال : أقم على هذا كتاب الله ، فأنتهره عمر، وقال: والله لولا الله لفعلت بك وفعلت. فقال الجارود : والله لولا الله ما هممت بذلك. فقال عمر : صدقت ، والله إنك لمنتحي الدار كثير العشيرة . قال ثم دعى عمر بقدامه فجلده.

وهكذا انتصر الجارود بصلابته وتمسكه بالحق وعد رهبته او خوفه نمن سلطان زمانه.

 

2-         بطل يوم الردة في القطيف:

ورد في كتاب الردة للواقدي "25" أن أبا بكر وجَّه أبان بن سعيد بن العاص ( رضي الله عنه) وهو عامله على البحرين يستقدمه ، وقد كان النبي (ص) وجهه إليها أميراً . فلما ورد عليه الكتاب ، نادى في اهل البحرين فجمعهم ، ثم قرأ عليهم كتاب أبي بكر ، وقال: قد علمتم أن أهل عمان قد وفوا لصاحبهم عمرو بن العاص . قال فوثب رجل من سادات عبد القيس يُقال له الجارود بن المعلّى فقال: " يا أبان ، قد علمت بان إلامنا كان طوعاً بلا قتال ، فأنزل الله تبارك وتعالى ( وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً ). وقد علمت أنه حملنا إلى رسول الله ( ص) صدقات أموالنا من قبل أن يحملها إليه أحد من الناس ، فإن أقمت عندنا أطعناك  وإن ظغنت  (أي رحلت حضرناك". ثم بعد ذلك اوصلوه إلى المدينة سالماً.

في هذه الأثناء كأنما وجد الجارود من قومه عبد القيس خوفاً وهلعاً من تجمع  قبائل المرتدين لحربهم  ، فقام فيهم خطيباً وقال : "26"  "أتعلمون  لله أنبياء قبل محمد قالوا: نعم. قال : ما فعلوا ؟ قالوا : ماتوا. قال : فغن محمد (ص) عاش كما عاشوا ومات كما ماتوا، وأنا أشهد أن محمداً رسول الله ". وفي روايةأخرى قال : " يا قوم ألستم تعلمون ما أنا عليه من النصرانية ؟ وإنني لم آتكم قط إلا بخير ، وأن الله بعث نبيه محمداً (ص) ونعى إليه نفسه ، فقال (إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال : ( وما محمدُ إلا رسول قد خلت من قبله الرُّسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين). وما شهادتكم أيها الناس على موسى ؟قالوا: نشهد أنه رسول الله. قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا : نشهد أنه رسول الله ، قال : وانا أشهد أن محمداً رسول الله، عاش كما عاشوا ومات كما ماتوا ، وأتحمل شهادة ، من لم يشهد فلم يرتدّ من عبد القيس أحدا".

وهكذا وقف هذا البطل الفذّ هذا الموقف الجبار ، ومنع قومه من الرتداد ، بل لقد قادهم في حربهم ضد المرتدين وانتصر عليهم في أول الأمر "27" . غير أن كثرة المرتدين وإمداداتهم حوّلت النصر إلى هزيمة ، فقتل كثير من عبد القيس ، وأُسِر الجارود وسجن في الزارة "28" .. وبقي فيها  إلى أن قدم العلاء الحضرمي بجيوش المسلمين فأنجدوا عبد القيس ، وفكوا أسر الجارود الذي لولاه لما انتشر الإسلام في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية ، وبهذه السهولة ، ولما رسخ فيها لولا جهود هذا الزعيم العظيم.